فصل: فصل في اختلاف المتراهنين في عين الرهن أو في حلول أجله وفي صفته:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البهجة في شرح التحفة (نسخة منقحة)



.فصل في اختلاف المتراهنين في عين الرهن أو في حلول أجله وفي صفته:

وبدأ بالأول فقال:
وفي اخْتِلاَفِ رَاهِنٍ وَمُرْتَهِنْ ** في عَيْنِ رَهْنٍ كانَ في حَقَ رُهِنْ

(وفي اختلاف راهن ومرتهن) يتعلق بالمبتدأ في البيت بعده أو بخبره (في عين رهن) يتعلق باختلاف (كان) اسمها ضمير يعود على الرهن (في حق) يتعلق بقوله: (رهن) الذي هو خبر كان والجملة من كان وما بعدها صفة لرهن.
القَوْلُ قَوْلُ رَاهِنٍ إنْ صَدَّقَا ** مَقَالَهُ شَاهِدُ حَالٍ مُطْلَقَا

(القول) مبتدأ (قول راهن) خبره (إن صدقا) شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه (مقاله) مفعول بقوله صدقاً (شاهد حال) فاعل صدقا (مطلقاً) حال من الخبر، ولو قال الناظم:
وإن في ذات رهنه تنازعا ** فالقول للراهن أن شبها دعا لأغناه

كَأَنْ يَكُونَ الحَقُّ قَدْرُهُ مِائَهْ ** وَقيمَةُ الرَّهْنِ لِعَشْرٍ مُبَدِئَهْ

(كأن) خبر لمبتدأ محذوف (يكون الحق) اسم يكون وجملة (قدره مائه) من مبتدأ وخبر خبر يكون (وقيمة الرهن) مبتدأ (لعشر) يتعلق بقوله: (مبدئه) الذي هو خبر والجملة حالية. وظاهر قوله: في عين رهن أي عينه قائمة، لكن المرتهن يقول: إن هذه عينه والراهن يقول ليست هذه عينه بل هي غير هذه، ويحتمل أن يختلفا في عينه بعد ذهابها بزعم المرتهن فيختلفان في صفتها ويكون قوله في عين رهن على هذا على حذف مضاف أي في صفة عين رهن بعد هلكها في ضمان الراهن، والأول أقرب للفظ النظم وهو مذهب أصبغ في العتبية قال فيها: إن رهنه رهناً بألف فجاء ليقبضه فأخرج المرتهن رهناً يساوي مائة فقال الراهن: ليس هو رهني وقيمة رهني ألف دينار، وذكر صفة تساوي ذلك فالراهن مصدق مع يمينه لأنه ادعى ما يشبه وادعى المرتهن ما لا يشبه، ولما كان هذا النص مطلقاً فيشمل بظاهره المتهم وغيره إذ المطلق على إطلاقه لا يقيد بشيء قال الناظم: مطلقاً، وأما ما يشهد للاحتمال الثاني فهو قول عياض كما في أبي الحسن على قولها وإذا ضاع الرهن عند المرتهن فاختلف في قيمته تواصفاه، ويكون القول قول المرتهن في الصفة إلى آخر ما نصه فيه دليل على أن الدين ليس شاهداً للرهن، وأن القول قول المرتهن وإن لم يذكر من صفة الرهن ما يشبه وهو قوله في الموازية وفي العتبية لأصبغ خلافه، وإن الراهن إذا ادعى صفة تساوي قدر الدين فالقول قوله، فجعل الدين شاهداً للرهن. اهـ. ولأشهب أن القول للمرتهن وإن لم يذكر إلا ما يساوي درهماً. ابن رشد: وقول أشهب إغراق في القياس، وقول أصبغ استحسان وهو أظهر، وقد قال مالك تسعة أعشار العلم الاستحسان، وكذا استغربه ابن عبد السلام ومال إليه ابن فرحون في تبصرته، ولذا اقتصر الناظم عليه كابن سلمون لكن المشهور في الصورتين أن القول للمرتهن وإن لم يشبه لأنه غارم ولأنه مؤتمن بجعله في يده ولم يشهد على عينه، بل لو قال لم ترهني شيئاً لصدق بيمينه، ولذا قال (خ): وهو كالشاهد في قدر الدين لا العكس أي فلا يكون الدين شاهداً لقيمة الرهن، ولو أراد الناظم التمشية عليه لقال:
والرهن شاهد لقدر الدين ** والعكس مرجوح بغير مين

وتنتهي شهادة الرهن لقدر الدين لمبلغ قيمته وما جاوز قيمته القول فيه قول الراهن، فإذا أقر الراهن أن الدين خمسة، وقال المرتهن عشرة، فإن كانت قيمة الرهن عشرة فأكثر صدق المرتهن، وإن كانت قيمته خمسة فأقل صدق الراهن، وكذا لو أقر الراهن أن الدين مائة وأن الرهن في خمسين منها وقيمته خمسون فالقول له فيدفع الخمسين ويأخذ الرهن وتبقى الخمسون الباقية بلا رهن، وتعتبر القيمة يوم الحكم عند ابن القاسم إن كان قائماً ويوم القبض إن كان تالفاً ولا فرق لشهادته في قدر الدين بين أن يكون بيد المرتهن أو الأمين قائماً أو فائتاً في ضمان المرتهن، فإن فات في ضمان ربه كما لو قامت على هلاكه بينة أو كان مما لا يغاب عليه أو هلك بيد الأمين فلا يكون شاهداً لقدر الدين.
فائدة:
قال في التبصرة: معنى الاستحسان أن تكون الحادثة مترددة بين أصلين أحدهما أقوى بها شبهاً وأقرب إليها والآخر أبعد فيعدل عن القياس على الأصل القريب إلى القياس على الأصل البعيد لجريان عرف أو ضرب من المصلحة أو خوف مفسدة أو ضرب من الضرر. اهـ.
والقَوْلُ حَيْثُ يَدْعي مَنِ ارْتَهَنْ ** حُلُولَ وَقْتِ الرَّهْن قَوْلُ مَنْ رَهَنْ

و(القول) مبتدأ (حيث) ظرف مضمن معنى الشرطية منصوب بجوابه (يدعي من) موصول فاعل (ارتهن) صلته (حلول) مفعول يدعي (وقت الرهن) مضاف إليه (قول من رهن) خبر وجواب الشرط محذوف للدلالة عليه، وإنما كان القول للراهن لأنهما قد اتفقا على أصل الأجل واختلفا في خصوص الانقضاء والأصل عدمه. وهذا الحكم عام في كل متعاقدين اتفقا على الأجل واختلفا في انقضائه كانا متبايعين أو متراهنين أو متكاريين أو غير ذلك. (خ): وإن اختلفا في انتهاء الأجل فالقول لمنكر التقضي.
وفي كَثَوْبِ خَلَقِ ويَدَّعِي ** جدَّتَهُ الرَّاهنُ عَكْس ذا وُعِي

(وفي كثوب) يتعلق بوعي آخر البيت (خلق) بفتح اللام أي بال وهو في الأصل مصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث، ويجوز فيه كسر اللام على أنه اسم فاعل وعلى كل حال هو صفة لثوب (ويدعي جدته) مفعول (الراهن) فاعل (عكس ذا) مبتدأ (وعي) خبره يريد أن الراهن إذا ادعى جدة الثوب المرهون وأن المرتهن استعمله حتى أبلاه وادعى المرتهن أنه كذلك رهنه فالقول للمرتهن.
إلاَّ إذا خَرَجَ عَمَّا يُشْبِهُ ** وفي ذَا وذَا فَالْعَكُسُ لا يُشْتَبهُ

(إلا) استثناء (إذا) ظرف مضمن معنى الشرط (خرج) فاعله ضمير مستتر يعود على من كان القول له وهو في المسألة الأولى الراهن وفي الثانية المرتهن (عما يشبه) يتعلق بخرج، والجملة في محل جر بإضافة إذا والناصب للظروف جوابه الآتي (في ذا) يتعلق بخرج (وذا) معطوف على ما قبله والإشارة الأولى ترجع لقبول قول الراهن في مسألة الاختلاف في الأجل، والثانية ترجع لقبول قول المرتهن في الاختلاف في الصفة أي: فإذا خرج الراهن عما يشبه من الأجل في الأول بأن ادعى أجلاً لا تتبايع الناس إليه غالباً في الأولى أو خرج المرتهن عما يشبه في الثانية. (فالعكس) مبتدأ وهو أن القول للمرتهن في الأولى وللراهن في الثانية (لا يشتبه) خبره والجملة جواب الشرط، ولكن تأمل كيف يخرج المرتهن عن الشبه في الثوب الخلق مع أنهم قالوا لو أخرج له رهناً لا يساوي إلاَّ درهماً فالقول له، اللهم إلا أن يقال إنه وجد به أثر الاستعمال الحادث ونحو ذلك، لكن لا يلزم من وجود أثر الاستعمال أن يكون هو الذي أبلاه، فلعل هذا إنما يأتي على ما درج عليه الناظم من أن الدين شاهد للرهن كما هو ظاهر سياق ابن سلمون، ويمكن أن يحمل الناظم على ما إذا اختلفا في صفة الثوب التالف فادعى الراهن جدته، وخالفه المرتهن وادعى أنه خلق فالقول للمرتهن إلا أن يأتي بما لا يشبه لقلة قيمة ما ذكره جداً فالقول للراهن كما قاله أشهب في أحد قوليه لكنه مخالف لإطلاق قول (خ) وإن اختلفا في قيمة تالف تواصفاه ثم قوم فإن اختلفا فالقول للمرتهن وإن تجاهلا فالرهن بما فيه إلخ. فظاهر شراحه أن القول للمرتهن مطلقاً لأنه غارم وهو الموافق لما مرّ فإذا لم يختلفا في العين ولا في الأجل ولا في الصفة، بل في أصل الرهنية أو تلفه أو في المقبوض فالأول. قال ابن عرفة: لو ادعى حائز لشيء ارتهانه وربه إيداعه فالمذهب تصديق الراهن اللخمي: إلا أن يشهد عرف لحائز كخاتم عند بقال قال: ولو ادعى حائز لعبدين رهنهما وقال ربهما: بل أحدهما صدق ربهما ولو ادعى حائز عبد رهن جميعه، وقال ربه بل نصفه صدق ربه أيضاً خلافاً لابن العطار في هذه يزيد والدين ثابت في هذه الصور كلها، وهذا معنى قول (خ) والقول لمدعي نفي الرهنية. وفي المدونة لو ادعى حائز جبة وغطاء فتلف وقال: هو وديعة والجبة رهن وعكس ربها حلف كل منهما على نفي دعوى صاحبه وأخذ الجبة ربها ولا غرم على الحائز وقد قال بعضهم في هذه ما نصه:
والقول قول من نفى الرهنية ** إلا لعرف أو مع البعضية

أو يدعي البيع ورهناً أنت ** أو غير ما بيده ارتهنت

وأما الثاني فإن ادعى المرتهن رد الرهن المقبوض بغير بينة بعد قبض دينه وأنكره الراهن في رده حلف وضمنه المرتهن اتفاقاً لأن ما لا يصدق في تلفه لا يصدق في رده إلا أن يكون مما لا يغاب عليه فيصدق فإن ادعى الراهن أنه ما قبض الرهن حتى دفع الدين وخالفه المرتهن وقال: بل سرقته أو دفعته لك لتأتيني بحقي فالقول للراهن إن قام المرتهن بطول كالعشرة أيام وإلاَّ فالقول للمرتهن (خ): ولراهن بيده رهنه بدفع الدين، وأما الثالث فالقول للمرتهن ويغرم قيمة ما يغاب عليه لا غيره إلا أن يكذبه عدول في دعواه موت دابة كما مرّ، وإن رهنت أصول مع رسومها فادعى تلف الرسوم فإنه يغرم ما بين قيمتها برسومها وقيمتها بغير رسوم قاله ابن عرفة. وإن رهنت رسوم فادعى تلفها وشهد شاهد بأنها رئيت عنده بعد ذلك فإنه يضيق عليه بالسجن فإن طال ذلك حلف وأطلق. انظر مسائل الغصب من البرزلي، وأما الرابع وهو اختلافهما في المقبوض فقال الراهن عن دين الرهن، وقال المرتهن عن الدين الذي ليس برهن أن المقبوض يوزع على قدر الدينين فيصير الدين الباقي نصفه برهن ونصفه بلا رهن كما في (خ).